فصل: تفسير الآيات رقم (16- 26)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير النسفي المسمى بـ «مدارك التنزيل وحقائق التأويل» ***


سورة الأحقاف

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 12‏]‏

‏{‏حم ‏(‏1‏)‏ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ‏(‏2‏)‏ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ‏(‏3‏)‏ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ‏(‏4‏)‏ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ‏(‏5‏)‏ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ‏(‏6‏)‏ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ‏(‏7‏)‏ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ‏(‏8‏)‏ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ‏(‏9‏)‏ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآَمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏10‏)‏ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ‏(‏11‏)‏ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ ‏(‏12‏)‏‏}‏

‏{‏حم تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز الحكيم مَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق‏}‏ ملتبساً بالحق ‏{‏وَأَجَلٍ مُّسَمًّى‏}‏ وبتقدير أجل مسمى ينتهي إليه وهو يوم القيامة ‏{‏والذين كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ‏}‏ عما أنذروه من هول ذلك اليوم الذي لا بد لكل مخلوق من انتهائه إليه ‏{‏مُّعْرِضُونَ‏}‏ لا يؤمنون به ولا يهتمون بالاستعداد له، ويجوز أن تكون «ما» مصدرية أي عن إنذارهم ذلك اليوم ‏{‏قُلْ أَرَءَيْتُمْ‏}‏ أخبروني ‏{‏مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله‏}‏ تعبدونه من الأصنام ‏{‏أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض‏}‏ أي شيء خلقوا مما في الأرض إن كانوا آلهة ‏{‏أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى السماوات‏}‏ شركة مع الله في خلق السماوات والأرض ‏{‏ائتونى بكتاب مِّن قَبْلِ هذا‏}‏ أي من قبل هذا الكتاب وهو القرآن يعني أن هذا الكتاب ناطق بالتوحيد وإبطال الشرك، وما من كتاب أنزل من قبله من كتب الله إلا وهو ناطق بمثل ذلك، فأتوا بكتاب واحد منزل من قبله شاهد بصحة ما أنتم عليه من عبادة غير الله ‏{‏أَوْ أثارة مِّنْ عِلْمٍ‏}‏ أو بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأولين ‏{‏إِن كُنتُمْ صادقين‏}‏ أن الله أمركم بعبادة الأوثان‏.‏

‏{‏وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُواْ مِن دُونِ الله مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القيامة وَهُمْ عَن دُعَآئِهِمْ غافلون‏}‏ أي أبداً ‏{‏وَإِذَا حُشِرَ الناس كَانُواْ لَهُمْ أَعْدَآءً‏}‏ أي الأصنام لعبدتها ‏{‏وَكَانُواْ‏}‏ أي الأصنام ‏{‏بِعِبَادَتِهِمْ‏}‏ بعبادة عبدتهم ‏{‏كافرين‏}‏ يقولون ما دعوناهم إلى عبادتنا‏.‏ ومعنى الاستفهام في ‏{‏مَنْ أَضَلَّ‏}‏ إنكار أن يكون في الضلال كلهم أبلغ ضلالاً من عبدة الأوثان حيث يتركون دعاء السميع المجيب القادر على كل شيء ويدعون من دونه جماداً لا يستجيب لهم ولا قدرة له على استجابة أحد منهم ما دامت الدنيا وإلى أن تقوم القيامة، وإذا قامت القيامة وحشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا عليهم ضداً فليسوا في الدارين إلا على نكد ومضرة لا تتولاهم في الدنيا بالاستجابة، وفي الآخرة تعاديهم وتجحد عبادتهم‏.‏ ولما أسند إليهم ما يسند إلى أولي العلم من الاستجابة والغفلة قيل «من» و«هم»، ووصفهم بترك الاستجابة والغفلة، طريقه طريق التهكم بها وبعبدتها ونحوه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُواْ مَا استجابوا لَكُمْ وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 14‏]‏‏.‏

‏{‏وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ ءاياتنا بَيِّنَاتٍ‏}‏ جمع بينة وهي الحجة والشاهد أو واضحات مبينات ‏{‏قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلْحَقِّ‏}‏ المراد بالحق الآيات وبالذين كفروا المتلو عليهم فوضع الظاهران موضع الضميرين للتسجيل عليهم بالكفر وللمتلو بالحق ‏{‏لَمَّا جَآءَهُمْ‏}‏ أي بادهوه بالجحود ساعة أتاهم وأول ما سمعوه من غير إجالة فكر ولا إعادة نظر ‏{‏هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ‏}‏ ظاهر أمره في البطلان لا شبهة فيه ‏{‏أَمْ يَقُولُونَ افتراه‏}‏ إضراب عن ذكر تسميتهم الآيات سحراً إلى ذكر قولهم إن محمداً عليه السلام افتراه أي اختلقه وأضافه إلى الله كذباً، والضمير للحق والمراد به الآيات ‏{‏قُلْ إِنِ افتريته فَلاَ تَمْلِكُونَ لِى مِنَ الله شَيْئاً‏}‏ أي إن افتريته على سبيل الفرض عاجلني الله بعقوبة الافتراء عليه فلا تقدرون على كفه عن معاجلتي، ولا تطيقون دفع شيء من عقابه فكيف أفتريه وأتعرض لعقابه‏؟‏‏.‏

‏{‏هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ‏}‏ أي تندفعون فيه من القدح في وحي الله والطعن في آياته وتسميته سحراً تارة وفرية أخرى ‏{‏كفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ‏}‏ يشهد لي بالصدق والبلاغ ويشهد عليكم بالجحود والإنكار، ومعنى ذكر العلم والشهادة وعيد بجزاء إفاضتهم ‏{‏وَهُوَ الغفور الرحيم‏}‏ موعدة بالغفران والرحمة إن تابوا عن الكفر وآمنوا‏.‏

‏{‏قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرسل‏}‏ أي بديعاً كالخف بمعنى الخفيف، والمعنى إني لست بأول مرسل فتنكروا نبوّتي ‏{‏وَمَآ أَدْرِى مَا يُفْعَلُ بِى وَلاَ بِكُمْ‏}‏ أي ما يفعل الله بي وبكم فيما يستقبل من الزمان‏.‏ وعن الكلبي قال له أصحابه وقد ضجروا من أذى المشركين‏:‏ حتى متى تكون على هذا‏؟‏ فقال‏:‏ ما أدري ما يفعل بي ولا بكم، أأترك بمكة أم أو أومر بالخروج إلى أرض قد رفعت لي ورأيتها يعني في منامه ذات نخيل وشجره و«ما» في ‏{‏مَّا يَفْعَلُ‏}‏ يجوز أن يكون موصولة منصوبة، وأن تكون استفهامية مرفوعة‏.‏ وإنما دخل «لا» في قوله ‏{‏وَلاَ بِكُمْ‏}‏ مع أن ‏{‏بفعل‏}‏ مثبت غير منفي لتناول النفي في ‏{‏مَا أَدْرِى‏}‏ «ما» وما في حيزه ‏{‏إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ وَمَا أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِن كَانَ‏}‏ القرآن ‏{‏مِنْ عِندِ الله وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل‏}‏ هو عبد الله بن سلام عند الجمهور ولهذا قيل‏:‏ إن هذه الآية مدنية لأن إسلام بن سلام بالمدينة‏.‏ رُوي أنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نظر إلى وجهه فعلم أنه ليس بوجه كذاب‏.‏ قال له‏:‏ إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي‏:‏ ما أول أشراط الساعة، وما أول طعام يأكله أهل الجنة، وما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل نزعه وإن سبق ماء المرأة نزعته ‏"‏ فقال‏:‏ أشهد أنك رسول الله حقاً‏.‏

‏{‏على مِثْلِهِ‏}‏ الضمير للقرآن أي مثله في المعنى وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة لمعاني القرآن من التوحيد والوعد والوعيد وغير ذلك، ويجوز أن يكون المعنى إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد على نحو ذلك يعني كونه من عند الله ‏{‏فَئَامَنَ‏}‏ الشاهد ‏{‏واستكبرتم‏}‏ عن الإيمان به‏.‏ وجواب الشرط محذوف تقديره إن كان القرآن من عند الله وكفرتم به ألستم ظالمين، ويدل على هذا المحذوف‏.‏ ‏{‏إِنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الظالمين‏}‏ والواو الأولى عاطفة ل ‏{‏كَفَرْتُمْ‏}‏ على فعل الشرط، وكذلك الواو الأخيرة عاطفة ل ‏{‏استكبرتم‏}‏ على ‏{‏شَهِدَ شَاهِدٌ‏}‏، وأما الواو في ‏{‏وَشَهِدَ‏}‏ فقد عطفت جملة قوله ‏{‏شَهِدَ شَاهِدٌ مّن بَنِى إسراءيل على مِثْلِهِ فَئَامَنَ واستكبرتم‏}‏ على جملة قوله ‏{‏كَانَ مِنْ عِندِ الله وَكَفَرْتُمْ بِهِ‏}‏ والمعنى قل أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به، واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله، فإيمانه به مع استكباركم عنه وعن الإيمان به، ألستم أضل الناس وأظلمهم‏؟‏‏.‏

‏{‏وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ‏}‏ أي لأجلهم وهو كلام كفار مكة قالوا‏:‏ إن عامة من يتبع محمداً السقاط يعنون الفقراء مثل عمار وصهيب وابن مسعود ‏{‏لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ‏}‏ لو كان ما جاء به محمد خيراً ما سبقنا إليه هؤلاء ‏{‏وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ‏}‏ العامل في «إذ» محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم وقوله ‏{‏فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ‏}‏ مسبب عنه وقولهم ‏{‏إِفْكٌ قَدِيمٌ‏}‏ أي كذب متقادم كقولهم ‏{‏أساطير الأولين‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 25‏]‏ ‏{‏وَمِن قَبْلِهِ‏}‏ أي القرآن ‏{‏كِتَابُ موسى‏}‏ أي التوراة وهو مبتدأ و‏{‏مِن قَبْلِهِ‏}‏ ظرف واقع خبراً مقدماً عليه وهو ناصب ‏{‏إِمَاماً‏}‏ على الحال نحو‏:‏ في الدار زيد قائماً‏.‏ ومعنى ‏{‏إِمَاماً‏}‏ قدوة يؤتم به في دين الله وشرائعه كما يؤتم بالإمام ‏{‏وَرَحْمَةً‏}‏ لمن آمن به وعمل بما فيه ‏{‏وهذا‏}‏ القرآن ‏{‏كتاب مُّصَدِّقٌ‏}‏ لكتاب موسى أو لما بين يديه وتقدمه من جميع الكتب ‏{‏لِّسَاناً عَرَبِيّاً‏}‏ حال من ضمير الكتاب في ‏{‏مُّصَدّق‏}‏ والعامل فيه ‏{‏مُّصَدّق‏}‏ أو من كتاب لتخصصه بالصفة ويعمل فيه معنى الإشارة، وجوز أن يكون مفعولاً ل ‏{‏مُّصَدّق‏}‏ أي يصدق ذا لسان عربي وهو الرسول ‏{‏لِّيُنذِرَ‏}‏ أي الكتاب، ‏{‏لّتُنذِرَ‏}‏ حجازي وشامي‏.‏ ‏{‏الذين ظَلَمُواْ‏}‏ كفروا ‏{‏وبشرى‏}‏ في محل النصب معطوف على محل ‏{‏لّيُنذِرَ‏}‏ لأنه مفعول له ‏{‏لِّلْمُحْسِنِينَ‏}‏ للمؤمنين المطيعين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏13- 22‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ‏(‏13‏)‏ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏14‏)‏ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ‏(‏15‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ‏(‏16‏)‏ وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آَمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ‏(‏17‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ ‏(‏18‏)‏ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ‏(‏19‏)‏ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ‏(‏20‏)‏ وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ‏(‏21‏)‏ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آَلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ‏(‏22‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا‏}‏ على توحيد الله وشريعة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ‏{‏فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ‏}‏ في القيامة ‏{‏وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ‏}‏ عند الموت ‏{‏أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة خالدين فِيهَا‏}‏ حال من ‏{‏أصحاب الجنة‏}‏ والعامل فيه معنى الإشارة الذي دل عليه ‏{‏أولئك‏}‏ ‏{‏جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ جزاء مصدر لفعل دل عليه الكلام أي جوزوا جزاء‏.‏

‏{‏وَوَصَّيْنَا الإنسان بوالديه إحسانا‏}‏ كوفي أي وصيناه بأن يحسن بوالديه إحساناً، ‏{‏حُسْنًا‏}‏ غيرهم أي وصيناه بوالديه أمراً ذا حسن أو بأمر ذي حسن، فهو في موضع البدل من قوله ‏{‏بوالديه‏}‏ وهو من بدل الاشتمال ‏{‏حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً‏}‏ وبفتح الكافين‏:‏ حجازي وأبو عمرو وهما لغتان في معنى المشقة، وانتصابه على الحال أي ذات كره، أو على أنه صفة للمصدر أي حملاً ذاكره ‏{‏وَحَمْلُهُ وفصاله‏}‏ ومدة حمله وفطامه ‏{‏ثَلاَثُونَ شَهْراً‏}‏ وفيه دليل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأن مدة الرضاع إذا كانت حولين لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 233‏]‏ بقيت للحمل ستة أشهر، وبه قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه‏:‏ المراد به الحمل بالأكف‏.‏ ‏{‏وَفِصْلُهُ‏}‏ يعقوب‏.‏ والفصل والفصال كالفطم والفطام بناء ومعنى ‏{‏حتى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ‏}‏ هو جمع لا واحد له من لفظه، وكان سيبويه يقول‏:‏ واحده شدة، وبلوغ الأشد أن يكتهل ويستوفي السن التي تستحكم فيها قوته وعقله وذلك إذا أناف على الثلاثين وناطح الأربعين‏.‏ وعن قتادة‏:‏ ثلاث وثلاثون سنة ووجهه أن يكون ذلك أول الأشد وغايته الأربعون‏.‏

‏{‏وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِى‏}‏ ألهمني ‏{‏أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وعلى وَالِدَىَّ‏}‏ المراد به نعمة التوحيد والإسلام، وجمع بين شكري النعمة عليه وعلى والديه لأن النعمة عليهما نعمة عليه ‏{‏وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه‏}‏ قيل‏:‏ هي الصلوات الخمس ‏{‏وَأَصْلِحْ لِى فِى ذُرّيَّتِى‏}‏ أي اجعل ذريتي موقعاً للصلاح ومظنة له ‏{‏إِنِّى تُبْتُ إِلَيْكَ‏}‏ من كل ذنب ‏{‏وَإِنِّى مِنَ المسلمين‏}‏ من المخلصين ‏{‏أُوْلَئِكَ الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سيئاتهم‏}‏ حمزة وعلي وحفص‏.‏ ‏{‏يُتَقَبَّل‏}‏ ‏{‏ويُتَجاوز‏}‏ ‏{‏أَحْسَنُ‏}‏ غيرهم ‏{‏فِى أصحاب الجنة‏}‏ هو كقولك‏:‏ أكرمني الأمير في ناس من أصحابه تريد أكرمني في جملة من أكرم منهم ونظمني في عدادهم، ومحله النصب على الحال على معنى كائنين في أصحاب الجنة ومعدودين فيهم ‏{‏وَعْدَ الصدق‏}‏ مصدر مؤكد لأن قوله ‏{‏يُتَقَبَّل‏}‏ ‏{‏ويتجاوز‏}‏ وعد من الله لهم بالتقبل والتجاوز‏.‏ قيل‏:‏ نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه وفي أبيه أبي قحافة وأمه أم الخير وفي أولاده واستجابة دعائه فيهم، فإنه آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان وثلاثين سنة ودعا لهما وهو ابن أربعين سنة ولم يكن أحد من الصحابة من المهاجرين منهم والأنصار أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر رضي الله عنه ‏{‏الذى كَانُواْ يُوعَدُونَ‏}‏ في الدنيا‏.‏

‏{‏والذى قَالَ لوالديه‏}‏ مبتدأ خبره ‏{‏أُوْلَئِكَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول‏}‏ والمراد بالذي قال، الجنس القائل ذلك القول ولذلك وقع الخبر مجموعاً‏.‏ وعن الحسن‏:‏ هو في الكافر العاق لوالديه المكذب بالبعث‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه قبل إسلامه، ويشهد لبطلانه كتاب معاوية إلى مروان ليأمر الناس بالبيعة ليزيد فقال عبد الرحمن بن أبي بكر‏:‏ لقد جئتم بها هرقلية أتبايعون لأبنائكم‏؟‏ فقال مروان‏:‏ يا أيها الناس هذا الذي قال الله تعالى فيه‏:‏ ‏{‏والذى قَالَ لوالديه أُفّ لَّكُمَا‏}‏‏.‏ فسمعت عائشة رضي الله عنها فغضبت وقالت‏:‏ والله ما هو به ولو شئت أن أسميه لسميته، ولكن الله تعالى لعن أباك وأنت في صلبه فأنت فضض من لعنة الله أي قطعة ‏{‏أُفّ لَّكُمَآ‏}‏ مدني وحفص، ‏{‏أُفَّ‏}‏ مكي وشامي، ‏{‏أُفِّ‏}‏ غيرهم وهو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر كما إذا قال «حس» علم أنه متوجع‏.‏ واللام للبيان أي هذا التأفيف لكما خاصة ولأجلكما دون غيركما‏.‏ ‏{‏أَتَعِدَانِنِى أَنْ أُخْرَجَ‏}‏ أن أبعث وأخرج من الأرض ‏{‏وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِى‏}‏ ولم يبعث منهم أحد ‏{‏وَهُمَا‏}‏ أبواه ‏{‏يَسْتَغِيثَانِ الله‏}‏ يقولان الغياث بالله منك ومن قولك وهو استعظام لقوله ويقولان له ‏{‏وَيْلَكَ‏}‏ دعاء عليه بالثبور والمراد به الحث والتحريض على الإيمان لا حقيقة الهلاك ‏{‏ءَامِنْ‏}‏ بالله وبالبعث ‏{‏إِنَّ وَعْدَ الله‏}‏ بالبعث ‏{‏حَقٌّ‏}‏ صدق ‏{‏فَيَقُولُ‏}‏ لهما ‏{‏مَا هذا‏}‏ القول ‏{‏إِلاَّ أساطير الأولين أُوْلَئِكَ الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول‏}‏ أي لأملأن جهنم ‏{‏فِى أُمَمٍ‏}‏ في جملة أمم ‏{‏قَدْ خَلَتْ‏}‏ قد مضت ‏{‏مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الجن والإنس إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين وَلِكُلّ‏}‏ من الجنسين المذكورين الأبرار والفجار ‏{‏درجات مِّمَّا عَمِلُواْ‏}‏ أي منازل ومراتب من جزاء ما عملوا من الخير والشر، أو من أجل ما عملوا منهما، وإنما قال ‏{‏درجات‏}‏ وقد جاء «الجنة درجات والنار دركات» على وجه التغليب ‏{‏وَلِيُوَفِّيَهُمْ أعمالهم‏}‏ بالياء‏:‏ مكي وبصري وعاصم ‏{‏وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ‏}‏ أي وليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم حقوقهم، قدّر جزاءهم على مقادير أعمالهم فجعل الثواب درجات والعقاب دركات فاللام متعلقة بمحذوف ‏{‏وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار‏}‏ عرضهم على النار تعذيبهم بها من قولهم‏:‏ عرض بنو فلان على السيف إذا قتلوا به‏.‏ وقيل‏:‏ المراد عرض النار عليهم من قولهم‏:‏ عرضت الناقة على الحوض يريدون عرض الحوض عليها فقلبوا ‏{‏أَذْهَبْتُمْ‏}‏ أي يقال لهم أذهبتم وهو ناصب الظرف ‏{‏طيباتكم فِى حياتكم الدنيا‏}‏ أي ما كتب لكم حظ من الطيبات إلا ما قد أصبتموه في دنياكم وقد ذهبتم به وأخذتموه فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها‏.‏

وعن عمر رضي الله عنه‏:‏ لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وأحسنكم لباساً ولكني أستبقي طيباتي ‏{‏واستمتعتم بِهَا‏}‏ بالطيبات ‏{‏فاليوم تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهون‏}‏ أي الهوان وقرئ به ‏{‏بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ‏}‏ تتكبرون ‏{‏فِى الأرض بِغَيْرِ الحق وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ‏}‏ أي باستكباركم وفسقكم‏.‏

‏{‏واذكر أَخَا عَادٍ‏}‏ أي هوداً ‏{‏إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بالأحقاف‏}‏ جمع حقف وهو رمل مستطيل مرتفع فيه انحناء من احقوقف الشيء إذا اعوج‏.‏ عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ هو وادٍ بين عمان ومهرة ‏{‏وَقَدْ خَلَتِ النذر‏}‏ جمع نذير بمعنى المنذر أو الإنذار ‏{‏مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ‏}‏ من قبل هود ومن خلف هود، وقوله ‏{‏وَقَدْ خَلَتِ النذر مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ‏}‏ وقع اعتراضاً بين ‏{‏أَنذَرَ قَوْمَهُ‏}‏ وبين ‏{‏أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ‏}‏ والمعنى واذكر إنذار هود قومه عاقبة الشرك والعذاب العظيم وقد أنذر من تقدمه من الرسل ومن تأخر عنه مثل ذلك ‏{‏قَالُواْ‏}‏ أي قوم هود ‏{‏أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا‏}‏ لتصرفنا فالأفك الصرف يقال‏:‏ أفكه عن رأيه ‏{‏عَنْ ءَالِهَتِنَا‏}‏ عن عبادتها ‏{‏فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا‏}‏ من معاجلة العذاب على الشرك ‏{‏إِن كُنتَ مِنَ الصادقين‏}‏ في وعيدك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏23- 35‏]‏

‏{‏قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ‏(‏23‏)‏ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏24‏)‏ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ‏(‏25‏)‏ وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏(‏26‏)‏ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ‏(‏27‏)‏ فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آَلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ‏(‏28‏)‏ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ‏(‏29‏)‏ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏30‏)‏ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ‏(‏31‏)‏ وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ‏(‏32‏)‏ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏(‏33‏)‏ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ‏(‏34‏)‏ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ ‏(‏35‏)‏‏}‏

‏{‏قَالَ إِنَّمَا العلم‏}‏ بوقت مجيء العذاب ‏{‏عَندَ الله‏}‏ ولا علم لي بالوقت الذي يكون فيه تعذيبكم ‏{‏وَأُبَلِّغُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ‏}‏ وبالتخفيف‏:‏ أبو عمرو أي الذي هو شأني أن أبلغكم ما أرسلت به من الإنذار والتخويف ‏{‏ولكنى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ‏}‏ أي ولكنكم جاهلون لا تعلمون أن الرسل بعثوا منذرين لا مقترحين ولا سائلين غير ما أذن لهم فيه‏.‏ ‏{‏فَلَمَّا رَأَوْهُ‏}‏ الضمير يرجع إلى ‏{‏مَا تَعِدُنَا‏}‏ أو هو مبهم وضح أمره بقوله ‏{‏عَارِضاً‏}‏ إما تمييزاً أو حالاً‏.‏ والعارض السحاب الذي يعرض في أفق السماء ‏{‏مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا‏}‏ رُوي أن المطر قد احتبس عنهم فرأوا سحابة استقبلت أوديتهم فقالوا‏:‏ هذا سحاب يأتينا بالمطر وأظهروا من ذلك فرحاً‏.‏ وإضافة ‏{‏مُّسْتَقْبِلَ‏}‏ و‏{‏ممطر‏}‏ مجازية غير معرفة بدليل وقوعهما وهما مضافان إلى معرفتين وصفاً للنكرة ‏{‏بَلْ هُوَ‏}‏ أي قال هود‏:‏ بل هو، ويدل عليه قراءة من قرأ ‏{‏قَالَ هُود بَلْ هُوَ‏}‏ ‏{‏مَا استعجلتم بِهِ‏}‏ من العذاب‏.‏ ثم فسره فقال ‏{‏رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَئ‏}‏ تهلك من نفوس عاد وأموالهم الجم الكثير فعبر عن الكثرة بالكلية ‏{‏بِأَمْرِ رَبِّهَا‏}‏ رب الريح ‏{‏فَأْصْبَحُواْ لاَ يرى إِلاَّ مساكنهم‏}‏ عاصم وحمزة وخلف أي لا يرى شيء إلا مساكنهم‏.‏ غيرهم ‏{‏لاَّ ترى إِلاَّ مساكنهم‏}‏ والخطاب للرائي من كان‏.‏

‏{‏كَذَلِكَ نَجْزِى القوم المجرمين‏}‏ أي مثل ذلك نجزي من أجرم مثل جرمهم وهو تحذير لمشركي العرب‏.‏ عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ اعتزل هود عليه السلام ومن معه في حظيرة ما يصيبهم من الريح إلا ما تلذه الأنفس، وإنها لتمر من عاد بالظعن بين السماء والأرض وتدمغهم بالحجارة‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ مكناهم فِيمَآ إِن مكناكم فِيهِ‏}‏ «إن» نافية أي فيما ما مكنا كم فيه إلا أن «إن» أحسن في اللفظ لما في مجامعة ما مثلها من التكرير المستبشع، ألا ترى أن الأصل في «مهما» «ما ما» فلبشاعة التكرير قلبوا الألف هاء‏.‏ وقد جعلت «إن» صلة وتؤول بأنا مكناهم في مثل ‏{‏مَا إِنَّ مكناكم فِيهِ‏}‏ ‏[‏الأحقاف‏:‏ 26‏]‏ والوجه هو الأول لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً ورئياً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 74‏]‏ ‏{‏كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَءاثَاراً‏}‏ ‏[‏غافر‏:‏ 82‏]‏ و«ما» بمعنى الذي أو نكرة موصوفة ‏{‏وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وأبصارا وَأَفْئِدَةً‏}‏ أي آلات الدرك والفهم ‏{‏فَمَا أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أبصارهم وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَئ‏}‏ أي من شيء من الإغناء وهو القليل منه ‏{‏إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بئايات الله‏}‏ «إذ» نصب بقوله ‏{‏فَمَا أغنى‏}‏ وجرى مجرى التعليل لاستواء مؤدي التعليل والظرف في قولك‏:‏ ضربته لإساءته وضربته إذ أساء، لأنك إذا ضربته في وقت إساءته فإنما ضربته فيه لوجود إساءته فيه إلا أن «إذ» و«حيث» غلبتا دون سائر الظروف في ذلك ‏{‏وَحَاقَ بِهِم‏}‏ ونزل بهم ‏{‏مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ‏}‏ جزاء استهزائهم وهذا تهديد لكفار مكة ثم زادهم تهديداً بقوله‏:‏

‏{‏وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ‏}‏ يا أهل مكة ‏{‏مِّنَ القرى‏}‏ نحو حجر ثمود وقرى قوم لوط والمراد أهل القرى ولذلك قال ‏{‏وَصَرَّفْنَا الآيات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏}‏ أي كررنا عليهم الحجج وأنواع العبر لعلهم يرجعون عن الطغيان إلى الإيمان فلم يرجعوا ‏{‏فَلَوْلا‏}‏ فهلا ‏{‏نَصَرَهُمُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله قُرْبَاناً ءَالِهَةً‏}‏ القربان ما تقرب به إلى الله تعالى أي اتخذوهم شفعاء متقرباً بهم إلى الله تعالى حيث قالوا ‏{‏هؤلاء شفعاؤنا عند الله‏}‏ ‏[‏يونس‏:‏ 18‏]‏ وأحد مفعولي «اتخذ» الراجع إلى «الذين» محذوف أي اتخذوهم والثاني ‏{‏ءالِهَةً‏}‏ و‏{‏قُرْبَاناً‏}‏ حال ‏{‏بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ‏}‏ غابوا عن نصرتهم ‏{‏وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ‏}‏ ‏{‏وَذَلِكَ‏}‏ إشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم وضلالهم عنهم أي وذلك أثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها آلهة وثمرة شركهم وافترائهم على الله الكذب‏.‏

‏{‏وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً‏}‏ أملناهم إليك وأقبلنا بهم نحوك والنفردون العشرة ‏{‏مِّن الجن‏}‏ جن نصيبين ‏{‏يَسْتَمِعُونَ القرءان‏}‏ منه عليه الصلاة والسلام ‏{‏فَلَمَّا حَضَرُوهُ‏}‏ أي الرسول صلى الله عليه وسلم أو القرآن أي كانوا منه بحيث يسمعون ‏{‏قَالُواْ‏}‏ أي قال بعضهم لبعض ‏{‏أَنصِتُواْ‏}‏ اسكتوا مستمعين رُوي أن الجن كانت تسترق السمع، فلما حرست السماء ورجموا بالشهب قالوا‏:‏ ما هذا إلا لنبأ حدث‏.‏ فنهض سبعة نفر أو تسعة من أشراف جن نصيبين أو نينوى منهم زوبعة فضربوا حتى بلغوا تهامة ثم اندفعوا إلى وادي نخلة فوافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم في جوف الليل يصلي أو في صلاة الفجر فاستمعوا لقراءته‏.‏ وعن سعيد بن جبير‏:‏ ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم وإنما كان يتلو في صلاته فمروا به فوقفوا مستمعين وهو لا يشعر فأنبأه الله باستماعهم‏.‏ وقيل‏:‏ بل الله أمر رسوله أن ينذر الجن ويقرأ عليهم فصرف إليه نفراً منهم فقال‏:‏ إني أمرت أن أقرأ على الجن الليلة فمن يتبعني‏؟‏ قالها ثلاثاً‏.‏ فأطرقوا إلا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال‏:‏ لم يحضره ليلة الجن أحد غيري فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة في شعب الحجون فخط لي خطاً وقال‏:‏ لا تخرج منه حتى أعود إليك، ثم اففتح القرآن وسمعت لغطاً شديداً فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ هل رأيت شيئاً‏؟‏ قلت‏:‏ نعم رجالاً سوداً‏.‏ فقال‏:‏ أولئك جن نصيبين ‏"‏

سورة محمد

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 16‏]‏

‏{‏الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ‏(‏1‏)‏ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآَمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ‏(‏2‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ ‏(‏3‏)‏ فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ‏(‏4‏)‏ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ‏(‏5‏)‏ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ‏(‏6‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ‏(‏7‏)‏ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ‏(‏8‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ‏(‏9‏)‏ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ‏(‏10‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ‏(‏11‏)‏ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ‏(‏12‏)‏ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ ‏(‏13‏)‏ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ‏(‏14‏)‏ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ‏(‏15‏)‏ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ ‏(‏16‏)‏‏}‏

‏{‏الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله‏}‏ أي أعرضوا وامتنعوا عن الدخول في الإسلام أوصدوا غيرهم عنه‏.‏ قال الجوهري‏:‏ صد عنه يصد صدوداً أعرض، وصده عن الأمر صداً منعه وصرفه عنه‏.‏ وهم المطعمون يوم بدر أو أهل الكتاب أو عام في كل من كفر وصد ‏{‏أَضَلَّ أعمالهم‏}‏ أبطلها وأحبطها، وحقيقته جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يتقبلها ويثيب عليها كالضالة من الإبل، وأعمالهم ما عملوه في كفرهم من صلة الأرحام وإطعام الطعام وعمارة المسجد الحرام، أو ما عملوه من الكيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم والصد عن سبيل الله ‏{‏والذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات‏}‏ هم ناس من قريش أو من الأنصار أو من أهل الكتاب أو عام ‏{‏وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ على مُحَمَّدٍ‏}‏ وهو القرآن، وتخصيص الإيمان بالمنزل على رسوله من بين ما يجب الإيمان به لتعظيم شأنه، وأكد ذلك بالجملة الاعتراضية وهي قوله ‏{‏وَهُوَ الحق مِن رَّبِّهِمْ‏}‏ أي القرآن‏.‏ وقيل‏:‏ إن دين محمد هو الحق إذ لا يرد عليه النسخ وهو ناسخ لغيره ‏{‏كَفَّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم‏}‏ ستر بإيمانهم وعملهم الصالح ما كان منهم من الكفر والمعاصي لرجوعهم عنها وتوبتهم ‏{‏وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ‏}‏ أي حالهم وشأنهم بالتوفيق في أمور الدين وبالتسليط على الدنيا بما أعطاهم من النصرة والتأييد ‏{‏ذلك بِأَنَّ الذين كَفَرُواْ اتبعوا الباطل وَأَنَّ الذين ءَامَنُواْ اتبعوا الحق مِن رَّبِّهِمْ‏}‏ ‏{‏ذلك‏}‏ مبتدأ وما بعده خبره أي ذلك الأمر وهو إضلال أعمال أحد الفريقين وتكفير سيئات الثاني والإصلاح كائن بسبب اتباع هؤلاء الباطل وهو الشيطان وهؤلاء الحق وهو القرآن ‏{‏كذلك‏}‏ مثل ذلك الضرب ‏{‏يَضْرِبُ الله‏}‏ أي يبين الله ‏{‏لِلنَّاسِ أمثالهم‏}‏ والضمير راجع إلى الناس أو إلى المذكورين من الفريقين على معنى أنه يضرب أمثالهم لأجل الناس ليعتبروا بهم، وقد جعل اتباع الباطل مثلاً لعمل الكافرين، واتباع الحق مثلاً لعمل المؤمنين، أو جعل الإضلال مثلاً لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلاً لفوز الأبرار‏.‏

‏{‏فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ‏}‏ من اللقاء وهو الحرب ‏{‏فَضَرْبَ الرقاب‏}‏ أصله فاضربوا الرقاب ضرباً فحذف الفعل وقدم المصدر فأنيب منابه مضافاً إلى المفعول، وفيه اختصار مع إعطاء معنى التوكيد لأنك تذكر المصدر وتدل على الفعل بالنصبة التي فيه ‏{‏وَضَرَبَ الرقاب‏}‏ عبارة عن القتل لا أن الواجب أن تضرب الرقاب خاصة دون غيرها من الأعضاء، ولأن قتل الإنسان أكثر ما يكون بضرب رقبته فوقع عبارة عن القتل وإن ضرب غير رقبته ‏{‏حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ‏}‏ أكثرتم فيهم القتل ‏{‏فَشُدُّواْ الوثاق‏}‏ فأسروهم والوثاق بالفتح والكسر اسم ما يوثق به، والمعنى فشدوا وثاق الأسارى حتى لا يفلتوا منكم ‏{‏فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ‏}‏ أي بعد أن تأسروهم ‏{‏وَإِمَّآ فِدَاءً‏}‏ ‏{‏منَّا‏}‏ و‏{‏فِدَاء‏}‏ منصوبان بفعليهما مضمرين أي فإما تمنون مناً أو تفدون فداء، والمعنى التخيير بين الأمرين بعد الأسر بين أن يمنوا عليهم فيطلقوهم وبين أن يفادوهم، وحكم أسارى المشركين عندنا القتل أو الاسترقاق، والمن والفداء المذكوران في الآية منسوخ بقوله

‏{‏فاقتلوا المشركين‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 5‏]‏ لأن سورة «براءة» من آخر ما نزل‏.‏ وعن مجاهد‏:‏ ليس اليوم منّ ولا فداء إنما هو الإسلام أو ضرب العنق‏.‏ أو المراد بالمن أن يمن عليهم بترك القتل ويسترقوا، أو يمن عليهم فيخلوا لقبولهم الجزية وبالفداء أن يفادى بأسراهم أسارى المسلمين فقد رواه الطحاوي مذهباً عن أبي حنيفة رحمه الله وهو قولهما، والمشهور أنه لا يرى فداءهم لا بمال ولا بغيره لئلا يعودوا حرباً علينا، وعند الشافعي رحمه الله تعالى‏:‏ للإمام أن يختار أحد الأمور الأربعة‏:‏ القتل والاسترقاق والفداء بأسارى المسلمين والمن‏.‏

‏{‏حتى تَضَعَ الحرب أَوْزَارَهَا‏}‏ أثقالها وآلاتها التي لا تقوم إلا بها كالسلاح والكراع‏.‏ وقيل‏:‏ أوزارها آثامها يعني حتى يترك أهل الحرب وهم المشركون شركهم بأن يسلموا وحتى لا يخلو من أن يتعلق بالضرب والشد أو بالمن والفداء، فالمعنى على كلا المتعلقين عند الشافعي رحمه الله أنهم لا يزالون على ذلك أبداً إلى أن لا يكون حرب مع المشركين، وذلك إذا لم يبق لهم شوكة‏.‏ وقيل‏:‏ إذا نزل عيسى عليه السلام‏.‏ وعند أبي حنيفة رحمه الله‏:‏ إذا علق بالضرب والشد فالمعنى أنهم يقتلون ويؤسرون حتى تضع جنس الحرب الأوزار، وذلك حين لا تبقى شوكة للمشركين‏.‏ وإذا علق بالمن والفداء فالمعنى أنه يمن عليهم ويفادون حتى تضع حرب بدر أوزارها إلا أن يتأول المن والفداء بما ذكرنا من التأويل ‏{‏ذلك‏}‏ أي الأمر ذلك فهو مبتدأ وخبر أو افعلوا بهم ذلك فهو في محل النصب ‏{‏وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ‏}‏ لانتقم منهم بغير قتال ببعض أسباب الهلاك كالخسف أو الرجفة أو غير ذلك ‏{‏ولكن‏}‏ أمركم بالقتال ‏{‏لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ‏}‏ أي المؤمنين بالكافرين تمحيصاً للمؤمنين وتمحيقاً للكافرين ‏{‏والذين قُتِلُواْ‏}‏ بصري وحفص‏.‏ ‏{‏قَاتَلُواْ‏}‏ غيرهم ‏{‏فِى سَبِيلِ الله فَلَن يُضِلَّ أعمالهم سَيَهْدِيهِمْ‏}‏ إلى طريق الجنة أو إلى الصواب في جواب منكر ونكير ‏{‏وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ‏}‏ يرضى خصماءهم ويقبل أعمالهم ‏{‏وَيُدْخِلُهُمُ الجنة عَرَّفَهَا لَهُمْ‏}‏ عن مجاهد‏:‏ عرفهم مساكنهم فيها حتى لا يحتاجون أن يسألوا أو طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة‏.‏ ‏{‏يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ إِن تَنصُرُواْ الله‏}‏ أي دين الله ورسوله ‏{‏يَنصُرْكُمْ‏}‏ على عدوكم ويفتح لكم ‏{‏وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ‏}‏ في مواطن الحرب أو على محجة الإسلام ‏{‏والذين كَفَرُواْ‏}‏ في موضع رفع بالابتداء والخبر ‏{‏فَتَعْساً لَّهُمْ‏}‏ وعطف قوله ‏{‏وَأَضَلَّ أعمالهم‏}‏ على الفعل الذي نصب ‏{‏تعسا‏}‏ لأن المعنى فقال تعساً لهم والتعس العثور‏.‏

وعن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ يريد في الدنيا القتل وفي الآخرة التردي في النار‏.‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أي التعس والضلال ‏{‏بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ الله‏}‏ أي القرآن ‏{‏فَأَحْبَطَ أعمالهم أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الأرض‏}‏ يعني كفار أمتك ‏{‏فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ الله عَلَيْهِمْ‏}‏ أهلكهم هلاك استئصال ‏{‏وللكافرين‏}‏ مشركي قريش ‏{‏أمثالها‏}‏ أمثال تلك الهلكة لأن التدمير يدل عليها ‏{‏ذلك‏}‏ أي نصر المؤمنين وسوء عاقبة الكافرين ‏{‏أَنَّ الله مَوْلَى الذين ءَامَنُواْ‏}‏ وليهم وناصرهم ‏{‏وَأَنَّ الكافرين لاَ مولى لَهُمْ‏}‏ أي لا ناصر لهم فإن الله مولى العباد جميعاً من جهة الاختراع وملك التصرف فيهم، ومولى المؤمنين خاصة من جهة النصرة ‏{‏إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار والذين كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ‏}‏ ينتفعون بمتاع الحياة الدنيا أياماً قلائل ‏{‏وَيَأْكُلُونَ‏}‏ غافلين غير متفكرين في العاقبة ‏{‏كَمَا تَأْكُلُ الأنعام‏}‏ في معالفها ومسارحها غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح ‏{‏والنار مَثْوًى لَّهُمْ‏}‏ منزل ومقام‏.‏

‏{‏وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ‏}‏ أي وكم من قرية للتكثير وأراد بالقرية أهلها ولذلك قال ‏{‏أهلكناهم‏}‏ ‏{‏هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مّن قَرْيَتِكَ التى أَخْرَجَتْكَ‏}‏ أي وكم من قرية أشد قوة من قومك الذين أخرجوك أي كانوا سبب خروجك ‏{‏أهلكناهم فَلاَ ناصر لَهُمْ‏}‏ أي فلم يكن لهم من ينصرهم ويدفع العذاب عنهم ‏{‏أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبّهِ‏}‏ أي على حجة من عنده وبرهان وهو القرآن المعجز وسائر المعجزات يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏{‏كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ‏}‏ هم أهل مكة الذين زين لهم الشيطان شركهم وعداوتهم لله ورسوله‏.‏ وقال سوء عمله ‏{‏واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ‏}‏ للحمل على لفظ من ومعناه ‏{‏مَّثَلُ الجنة‏}‏ صفة الجنة العجيبة الشأن ‏{‏التى وُعِدَ المتقون‏}‏ عن الشرك ‏{‏فِيهَآ أَنْهَارٌ‏}‏ داخل في حكم الصلة كالتكرير لها ألا ترى إلى صحة قولك التي فيها أنهار، أو حال أي مستقرة فيها أنهار ‏{‏مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ‏}‏ غير متغير اللون والريح والطعم‏.‏ يقال‏:‏ أسن الماء إذا تغير طعمه وريحه ‏{‏أسِن‏}‏ مكي ‏{‏وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ‏}‏ كما تتغير ألبان الدنيا إلى الحموضة وغيرها ‏{‏وأنهار مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ‏}‏ تأنيث لذ وهو اللذيذ ‏{‏لِّلشَّارِبِينَ‏}‏ أي ما هو إلا التلذذ الخالص ليس معه ذهاب عقل ولا خمار ولا صداع ولا آفة من آفات الخمر ‏{‏وأنهار مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى‏}‏ لم يخرج من بطون النحل فيخالطه الشمع وغيره ‏{‏وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثمرات وَمَغْفِرَةٌ مّن رَّبِّهِمْ‏}‏ ‏{‏مَثَلُ‏}‏ مبتدأ خبره ‏{‏كَمَنْ هُوَ خالد فِى النار وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً‏}‏ حاراً في النهاية ‏{‏فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ‏}‏ والتقدير‏:‏ أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد في النار‏؟‏ وهو كلام في صورة الإثبات ومعناه النفي لانطوائه تحت حكم كلام مصدّر بحرف الإنكار ودخوله في حيزه وهو قوله‏:‏ ‏{‏أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ كَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ‏}‏‏.‏

وفائدة حذف حرف الإنكار زيادة تصوير لمكابرة من يسوي بين المتمسك بالبينة والتابع لهواه وأنه بمنزلة من يثبت التسوية بين الجنة التي تجري فيها تلك الأنهار وبين النار التي يسقى أهلها الحميم‏.‏ ‏{‏وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ ءَانِفاً‏}‏ هم المنافقون كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمعون كلامه ولا يعونه ولا يلقون له بالاً تهاوناً منهم، فإذا خرجوا قالوا لأولي العلم من الصحابة‏:‏ ماذا قال الساعة على جهة الاستهزاء ‏{‏أُوْلَئِكَ الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏17- 32‏]‏

‏{‏وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ‏(‏17‏)‏ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ‏(‏18‏)‏ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ‏(‏19‏)‏ وَيَقُولُ الَّذِينَ آَمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ ‏(‏20‏)‏ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ‏(‏21‏)‏ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ‏(‏22‏)‏ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ‏(‏23‏)‏ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ‏(‏24‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ‏(‏25‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ‏(‏26‏)‏ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ‏(‏27‏)‏ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ‏(‏28‏)‏ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ ‏(‏29‏)‏ وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ‏(‏30‏)‏ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ‏(‏31‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ ‏(‏32‏)‏‏}‏

‏{‏والذين اهتدوا‏}‏ بالإيمان واستماع القرآن ‏{‏زَادَهُمْ‏}‏ الله ‏{‏هُدًى‏}‏ أي بصيرة وعلماً أو شرح صدورهم ‏{‏وءاتاهم تقواهم‏}‏ أعانهم عليها أو آتاهم جزاء تقواهم أو بين لهم ما يتقون ‏{‏فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة‏}‏ أي ينتظرون ‏{‏أَن تَأْتِيهُم‏}‏ أي إتيانها فهو بدل اشتمال من ‏{‏الساعة‏}‏ ‏{‏بَغْتَةً‏}‏ فجأة ‏{‏فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا‏}‏ علاماتها وهو مبعث محمد صلى الله عليه وسلم وإنشقاق القمر والدخان‏.‏ وقيل‏:‏ قطع الأرحام وقلة الكرام وكثرة اللئام ‏{‏فأنى لَهُمْ إِذَا جَآءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ‏}‏ قال الأخفش‏:‏ التقدير فأنى لهم ذكراهم إذا جاءتهم ‏{‏فاعلم أَنَّهُ‏}‏ أن الشأن ‏{‏لآ إله إِلاَّ الله واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات‏}‏ والمعنى فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله وعلى التواضع وهضم النفس باستغفار ذنبك وذنوب من على دينك‏.‏ وفي شرح التأويلات جاز أن يكون له ذنب فأمره بالاستغفار له ولكنا لا نعلمه، غير أن ذنب الأنبياء ترك الأفضل دون مباشرة القبيح، وذنوبنا مباشرة القبائح من الصغائر والكبائر‏.‏ وقيل‏:‏ الفاآت في هذه الآيات لعطف جملة على جملة بينهما اتصال ‏{‏والله يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ‏}‏ في معايشكم ومتاجركم ‏{‏وَمَثْوَاكُمْ‏}‏ ويعلم حيث تستقرون من منازلكم أو متقلبكم في حياتكم ومثوا كم في القبور، أو متقلبكم في أعمالكم ومثوا كم في الجنة والنار، ومثله حقيق بأن يتقى ويخشى وأن يستغفره وسئل سفيان ابن عيينة عن فضل العلم فقال‏:‏ ألم تسمع قوله ‏{‏فاعلم أَنَّهُ لاَ إله إِلائَ الله واستغفر لِذَنبِكَ‏}‏ فأمر بالعمل بعد العلم‏.‏

‏{‏وَيَقُولُ الذين ءَامَنُواْ لَوْلاَ نُزِّلَتْ سُورَةٌ‏}‏ فيها ذكر الجهاد ‏{‏فَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ‏}‏ في معنى الجهاد ‏{‏مُّحْكَمَةٌ‏}‏ مبينة غير متشابهة لا تحتمل وجهاً إلا وجوب القتال‏.‏ وعن قتادة‏:‏ كل سورة فيها ذكر القتال فهي محكمة لأن النسخ لا يرد عليها من قبل أن القتال نسخ ما كان من الصفح والمهادنة وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة ‏{‏وَذُكِرَ فِيهَا القتال‏}‏ أي أمر فيها بالجهاد ‏{‏رَأَيْتَ الذين فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ‏}‏ نفاق أي رأيت المنافقين فيما بينهم يضجرون منها ‏{‏يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ المغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت‏}‏ أي تشخص أبصارهم جبناً وجزعاً كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت ‏{‏فأولى لَهُمْ‏}‏ وعيد بمعنى فويل لهم وهو أفعل من الولى وهو القرب ومعناه الدعاء عليهم بأن يليهم المكروه ‏{‏طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ‏}‏ كلام مستأنف أي طاعة وقول معروف خير لهم ‏{‏فَإِذَا عَزَمَ الأمر‏}‏ فإذا جد الأمر ولزمهم فرض القتال ‏{‏فَلَوْ صَدَقُواْ الله‏}‏ في الإيمان والطاعة ‏{‏لَكَانَ‏}‏ الصدق ‏{‏خَيْراً لَّهُمْ‏}‏ من كراهة الجهاد‏.‏ ثم التفت من الغيبة إلى الخطاب بضرب من التوبيخ والإرهاب فقال‏:‏

‏{‏فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى الأرض وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ‏}‏ أي فلعلكم إن أعرضتم عن دين رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته أن ترجعوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الإفساد في الأرض بالتغاور والتناهب وقطع الأرحام بمقاتلة بعض الأقارب بعضاً ووأد البنات‏.‏

وخبر عسى ‏{‏أَن تُفْسِدُواْ‏}‏ والشرط اعتراض بين الاسم والخبر والتقدير‏:‏ فهل عسيتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم إن توليتم ‏{‏أولئك‏}‏ إشارة إلى المذكورين ‏{‏الذين لَعَنَهُمُ الله‏}‏ أبعدهم عن رحمته ‏{‏فَأَصَمَّهُمْ‏}‏ عن استماع الموعظة ‏{‏وأعمى أبصارهم‏}‏ عن إبصارهم طريق الهدى‏.‏

‏{‏أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرءان‏}‏ فيعرفوا ما فيه من المواعظ والزواجر ووعيد العصاة حتى لا يجسروا على المعاصي‏.‏ و«أم» في ‏{‏أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا‏}‏ بمعنى بل وهمزة التقرير للتسجيل عليهم بأن قلوبهم مقفلة لا يتوصل إليها ذكره‏.‏ ونكرت القلوب لأن المراد على قلوب قاسية مبهم أمرها في ذلك، والمراد بعض القلوب وهي قلوب المنافقين، وأضيفت الأقفال إلى القلوب لأن المراد الأقفال المختصة بها وهي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تنفتح نحو الرين والختم والطبع‏.‏

‏{‏إِنَّ الذين ارتدوا على أدبارهم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى‏}‏ أي المنافقون رجعوا إلى الكفر سراً بعد وضوح الحق لهم ‏{‏الشيطان سَوَّلَ‏}‏ زين ‏{‏لَهُمْ‏}‏ جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبراً ل «إن» نحو‏:‏ إن زيداً عمرو مر به ‏{‏وأملى لَهُمْ‏}‏ ومدّ لهم في الآمال والأماني ‏{‏وَأُمْلِىَ‏}‏ أبو عمرو أي امهلوا ومد في عمرهم ‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ الله‏}‏ أي المنافقون قالوا لليهود ‏{‏سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ الأمر‏}‏ أي عدواة محمد والقعود عن نصرته ‏{‏والله يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ‏}‏ على المصدر من أسر‏:‏ حمزة وعلي وحفص‏.‏ ‏{‏أسْرَارَهُمْ‏}‏ غيرهم جمع سر ‏{‏فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الملائكة‏}‏ أي فكيف يعملون وما حيلتهم حينئذ ‏{‏يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وأدبارهم‏}‏ عن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ لا يتوفى أحد على معصية إلا يضرب من الملائكة في وجهه ودبره ‏{‏ذلك‏}‏ إشارة إلى التوفي الموصوف ‏{‏بِأَنَّهُمْ‏}‏ بسبب أنهم ‏{‏اتبعوا مَا أَسْخَطَ الله‏}‏ من معاونة الكافرين ‏{‏وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ‏}‏ من نصرة المؤمنين ‏{‏فَأَحْبَطَ أعمالهم أَمْ حَسِبَ الذين فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ الله أضغانهم‏}‏ أحقادهم‏.‏ والمعنى أظن المنافقون أن الله تعالى لا يبرز بغضهم وعداوتهم للمؤمنين ‏{‏وَلَوْ نَشَآءُ لأريناكهم‏}‏ لعرّفناكهم ودللناك عليهم ‏{‏فَلَعَرَفْتَهُم بسيماهم‏}‏ بعلامتهم وهو أن يسمهم الله بعلامة يعلمون بها وعن أنس رضي الله عنه‏:‏ ما خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية أحد من المنافقين كان يعرفهم بسيماهم ‏{‏وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ القول‏}‏ في نحوه وأسلوبه الحسن من فحوى كلامهم لأنهم كانوا لا يقدرون على كتمان ما في أنفسهم‏.‏

واللام في ‏{‏فَلَعَرَفْتَهُم‏}‏ داخلة في جواب «لو» كالتي في ‏{‏لأريناكهم‏}‏ كررت في المعطوف، وأما اللام في ‏{‏وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ‏}‏ فواقعة مع النون في جواب قسم محذوف ‏{‏والله يَعْلَمُ أعمالكم‏}‏ فيميز خيرها من شرها‏.‏

‏{‏وَلَنَبْلُوَنَّكُم‏}‏ بالقتال إعلاماً لا استعلاماً أو نعاملكم معاملة المختبر ليكون أبلغ في إظهار العدل ‏{‏حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين‏}‏ على الجهاد أي نعلم كائناً ما علمناه أنه سيكون ‏{‏وَنَبْلُوَ أخباركم‏}‏ أسراركم وليبلونكم حتى يعلم‏.‏ ‏{‏ويبلو‏}‏ أبو بكر وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها بكى وقال‏:‏ اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا ‏{‏إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله وَشَآقُّواْ الرسول‏}‏ وعادوه يعني المطعمين يوم بدر وقد مر ‏{‏مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى‏}‏ من بعد ما ظهر لهم أنه الحق وعرفوا الرسول ‏{‏لَن يَضُرُّواْ الله شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أعمالهم‏}‏ التي عملوها في مشاقة الرسول أي سيبطلها فلا يصلون منها إلى أغراضهم‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏33- 38‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ‏(‏33‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ‏(‏34‏)‏ فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ ‏(‏35‏)‏ إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ ‏(‏36‏)‏ إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ ‏(‏37‏)‏ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ‏(‏38‏)‏‏}‏

‏{‏ياأيها الذين ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرسول وَلاَ تُبْطِلُواْ أعمالكم‏}‏ بالنفاق أو بالرياء‏.‏

‏{‏إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ‏}‏ قيل‏:‏ هم أصحاب القليب والظاهر العموم ‏{‏فَلاَ تَهِنُواْ‏}‏ فلا تضعفوا ولا تذلوا للعدو ‏{‏وَتَدْعُواْ إِلَى السلم‏}‏ وبالكسر‏:‏ حمزة وأبو بكر وهما المسالة أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح ‏{‏وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ‏}‏ أي الأغلبون وتدعوا مجزوم لدخوله في حكم النهي ‏{‏والله مَعَكُمْ‏}‏ بالنصرة أي ناصركم ‏{‏وَلَن يَتِرَكُمْ أعمالكم‏}‏ ولن ينقصكم أجر أعمالكم ‏{‏إِنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ‏}‏ تنقطع في أسرع مدة ‏{‏وَإِن تُؤْمِنُواْ‏}‏ بالله ورسوله ‏{‏وَتَتَّقُواْ‏}‏ الشرك ‏{‏يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ‏}‏ ثواب إيمانكم وتقواكم ‏{‏وَلاَ يَسْئَلْكُمْ أموالكم‏}‏ أي لا يسألكم جميعها بل ربع العشر، والفاعل الله أو الرسول وقال سفيان بن عيينة‏:‏ غيضاً من فيض ‏{‏إِن يَسْئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ‏}‏ أي يجهدكم ويطلبه كله والإحفاء المبالغة وبلوغ الغاية في كل شيء‏.‏ يقال‏:‏ أحفاه في المسئلة إذا لم يترك شيئاً من الإلحاح، وأحفى شاربه إذا استأصله ‏{‏تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ‏}‏ أي الله أو البخل ‏{‏أضغانكم‏}‏ عند الامتناع أو عند سؤال الجميع لأنه عند مسئلة المال تظهر العداوة والحقد‏.‏

‏{‏هَآأَنتُمْ‏}‏ ها للتنبيه ‏{‏هؤلاءآء‏}‏ موصول بمعنى الذين صلته ‏{‏تَدْعُونَ‏}‏ أي أنتم الذين تدعون ‏{‏لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله‏}‏ هي النفقة في الغزو أو الزكاة كأنه قيل‏:‏ الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم وكرهتم العطاء أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر ‏{‏فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ‏}‏ بالرفع لأن من هذه ليست للشرط أي فمنكم ناس يبخلون به ‏{‏وَمَن يَبْخَلْ‏}‏ بالصدقة وأداء الفريضة ‏{‏فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ‏}‏ أي يبخل عن داعي نفسه لا عن داعي ربه‏.‏ وقيل‏:‏ يبخل على نفسه يقال بخلت عليه وعنه ‏{‏والله الغنى وَأَنتُمُ الفقرآء‏}‏ أي أنه لا يأمر بذلك لحاجته إليه لأنه غني عن الحاجات ولكن لحاجتكم وفقركم إلى الثواب ‏{‏وَإِن تَتَوَلَّوْاْ‏}‏ وإن تعرضوا أيها العرب عن طاعته وطاعة رسوله والإنفاق في سبيله، وهو معطوف على ‏{‏وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ‏}‏ ‏{‏يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ‏}‏ يخلق قوماً خيراً منكم وأطوع وهم فارس وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القوم وكان سلمان إلى جنبه فضرب على فخذه وقال‏:‏ «هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناله رجال من فارس» ‏{‏ثُمَّ لاَ يَكُونُواْ أمثالكم‏}‏ أي ثم لا يكونوا في الطاعة أمثالكم بل أطوع منكم‏.‏

سورة الفتح

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 15‏]‏

‏{‏إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ‏(‏1‏)‏ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ‏(‏2‏)‏ وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا ‏(‏3‏)‏ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ‏(‏4‏)‏ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ‏(‏5‏)‏ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ‏(‏6‏)‏ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ‏(‏7‏)‏ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ‏(‏8‏)‏ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ‏(‏9‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏10‏)‏ سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ‏(‏11‏)‏ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ‏(‏12‏)‏ وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا ‏(‏13‏)‏ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ‏(‏14‏)‏ سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا ‏(‏15‏)‏‏}‏

‏{‏إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً‏}‏ الفتح الظفر بالبلد عنوة أو صلحاً بحرب أو بغير حرب، لأنه مغلق ما لم يظفر به فإذا ظفر به فقد فتح، ثم قيل هو فتح مكة وقد نزلت مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة عام الحديبية عدة له بالفتح‏.‏ وجيء به على لفظ الماضي لأنها في تحققها بمنزلة الكائنة وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر عنه وهو الفتح ما لا يخفى‏.‏ وقيل‏:‏ هو فتح الحديبية ولم يكن فيه قتال شديد ولكن ترامٍ بين القوم بسهام وحجارة، فرمى المسلمون المشركين حتى أدخلوهم ديارهم وسألوا الصلح فكان فتحاً مبيناً وقال الزجاج‏:‏ كان في فتح الحديبية آية للمسلمين عظيمة، وذلك أنه نزح ماؤها ولم يبق فيها قطرة فتمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مجه في البئر فدرت بالماء حتى شرب جميع الناس‏.‏ وقيل‏:‏ هو فتح خيبر‏.‏ وقيل‏:‏ معناه قضينا لك قضاء بيناً على أهل مكة أن تدخلها أنت وأصحابك من قابل لتطوفوا بالبيت من الفتاحة وهي الحكومة‏.‏ ‏{‏لِّيَغْفِرَ لَكَ الله‏}‏ قيل‏:‏ الفتح ليس بسبب للمغفرة والتقدير‏:‏ إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً فاستغفر ليغفر لك الله ومثله ‏{‏إِذَا جَاء نَصْرُ الله والفتح‏}‏ إلى قوله ‏{‏فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ واستغفره‏}‏ ‏[‏النصر‏:‏ 1، 3‏]‏ ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سبباً للغفران‏.‏ وقيل‏:‏ الفتح لم يكن ليغفر له بل لإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز، ولكنه لما عدد عليه هذه النعم وصلها بما هو أعظم النعم كأنه قيل‏:‏ يسرّنا لك فتح مكة أو كذا لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل ‏{‏مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ‏}‏ يريد جميع ما فرط منك أو ما تقدم من حديث مارية وما تأخر من امرأة زيد ‏{‏وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ‏}‏ بإعلاء دينك وفتح البلاد على يدك ‏{‏وَيَهْدِيَكَ صراطا مُّسْتَقِيماً‏}‏ ويثبتك على الدين المرضي ‏{‏وَيَنصُرَكَ الله نَصْراً عَزِيزاً‏}‏ قوياً منيعاً لا ذل بعده أبداً‏.‏

‏{‏هُوَ الذى أَنزَلَ السكينة فِى قُلُوبِ المؤمنين لِيَزْدَادُوآ إيمانا مَّعَ إيمانهم‏}‏ السكينة للسكون كالبهيتة للبهتان أي أنزل الله في قلوبهم السكون والطمأنينة بسبب الصلح ليزدادوا يقيناً إلى يقينهم‏.‏ وقيل‏:‏ السكينة الصبر على ما أمر الله والثقة بوعد الله والتعظيم لأمر الله ‏{‏وَلِلَّهِ جُنُودُ السماوات والأرض وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً لّيُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سيئاتهم وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ الله فَوْزاً عَظِيماً وَيُعَذِّبَ المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات‏}‏ أي ولله جنود السماوات والأرض يسلط بعضها على بعض كما يقتضيه علمه وحكمته، ومن قضيته أن سكن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية ووعدهم أن يفتح لهم، وإنما قضى ذلك ليعرف المؤمنون نعمة الله فيه ويشكروها فيثيبهم ويعذب الكافرين والمنافقين لما غاظهم من ذلك وكرهوه ‏{‏الظآنين بالله ظَنَّ السوء‏}‏ وقع السوء عبارة عن رداءة الشيء وفساده‏.‏

يقال‏:‏ فعل سوء أي مسخوط فاسد، والمراد ظنهم أن الله تعالى لا ينصر الرسول والمؤمنين ولا يرجعهم إلى مكة ظافرين فاتحيها عنوة وقهراً ‏{‏عَلَيْهِمْ دَآئِرَةُ السوء‏}‏ مكي وأبو عمرو أي ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو حائق بهم ودائر عليهم، والسوء الهلاك والدمار وغيرهما ‏{‏دَائِرَة السوء‏}‏ بالفتح إلا أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء، وأما السوء فجارٍ مجرى الشر الذي هو نقيض الخير ‏{‏وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً‏}‏ جهنم ‏{‏وَلِلَّهِ جُنُودُ السماوات والأرض‏}‏ فيدفع كيد من عادى نبيه عليه السلام والمؤمنين بما شاء منها ‏{‏وَكَانَ الله عَزِيزاً‏}‏ غالباً فلا يرد بأسه ‏{‏حَكِيماً‏}‏ فيما دبر‏.‏

‏{‏إِنَّآ أرسلناك شَاهِداً‏}‏ تشهد على أمتك يوم القيامة وهذه حال مقدرة ‏{‏وَمُبَشِّراً‏}‏ للمؤمنين بالجنة ‏{‏وَنَذِيرًا‏}‏ للكافرين من النار ‏{‏لِّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ‏}‏ والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمته ‏{‏وَتُعَزِّرُوهُ‏}‏ وتقووه بالنصر ‏{‏وَتُوَقِّرُوهُ‏}‏ وتعظموه ‏{‏وَتُسَبِّحُوهُ‏}‏ من التسبيح أو من السبحة، والضمائر لله عز وجل‏.‏ والمراد بتعزيز الله تعزيز دينه ورسوله، ومن فرق الضمائر فجعل الأولين للنبي صلى الله عليه وسلم فقد أبعد ‏{‏لِيُؤْمِنُواْ‏}‏ مكي وأبو عمرو والضمير للناس وكذا الثلاثة الأخيرة بالياء عندهما ‏{‏بُكْرَةً‏}‏ صلاة الفجر ‏{‏وَأَصِيلاً‏}‏ الصلوات الأربع ‏{‏إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ‏}‏ أي بيعة الرضوان‏.‏ ولما قال ‏{‏إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله‏}‏ أكده تأكيداً على طريقة التخييل فقال ‏{‏يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ‏}‏ يريد أن يد رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تعلو أيدي المبايعين هي يد الله والله منزه عن الجوارح وعن صفات الأجسام، وإنما المعنى تقرير أن عقد الميثاق مع الرسول كعقده مع الله من غير تفاوت بينهما كقوله ‏{‏مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 80‏]‏ و‏{‏إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله‏}‏ خبر «إن» ‏{‏فَمَن نَّكَثَ‏}‏ نقض العهد ولم يف بالبيعة ‏{‏فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ‏}‏ فلا يعود ضرر نكثه إلا عليه‏.‏ قال جابر بن عبد الله‏:‏ بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة على الموت وعلى أن لا نفر فما نكث أحد منا البيعة إلا جد بن قيس وكان منافقاً اختبأ تحت بطن بعيره ولم يسر مع القوم ‏{‏وَمَنْ أوفى بِمَا عاهد‏}‏ يقال‏:‏ وفيت بالعهد وأوفيت به ومنه قوله ‏{‏أَوْفُواْ بالعقود‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 1‏]‏ ‏{‏والموفون بِعَهْدِهِمْ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 177‏]‏ ‏{‏عَلَيْهِ الله‏}‏ حفص ‏{‏فَسَيُؤْتِيهِ‏}‏ وبالنون حجازي وشامي ‏{‏أَجْراً عَظِيماً‏}‏ الجنة‏.‏

‏{‏سَيَقُولُ لَكَ‏}‏ إذا رجعت من الحديبية ‏{‏المخلفون مِنَ الأعراب‏}‏ هم الذين خلّفوا عن الحديبية وهم أعراب غفار ومزينة وجهينة وأسلم وأشجع والدئل، وذلك أنه عليه السلام حين أراد المسير إلى مكة عام الحديبية معتمراً استنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه حذراً من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، وأحرم هو صلى الله عليه وسلم وساق معه الهدي ليعلم أنه لا يريد حرباً، فتثاقل كثير من الأعراب وقالوا‏:‏ يذهب إلى قوم غزوه في عقر داره بالمدينة وقتلوا أصحابه فيقاتلهم وظنوا أنه يهلك فلا ينقلب إلى المدينة ‏{‏شَغَلَتْنَآ أموالنا وَأَهْلُونَا‏}‏ هي جمع أهل اعتلوا بالشغل بأهاليهم وأموالهم وأنه ليس من يقوم بأشغالهم ‏{‏فاستغفر لَنَا‏}‏ ليغفر لنا الله تخلفنا عنك ‏{‏يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ‏}‏ تكذيب لهم في اعتذارهم وأن الذي خلفهم ليس ما يقولون، وإنما هو الشك في الله والنفاق فطلبهم الاستغفار أيضاً ليس بصادر عن حقيقة ‏{‏قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ الله شَيْئاً‏}‏ فمن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه ‏{‏إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً‏}‏ ما يضركم من قتل أو هزيمة ‏{‏ضَرّا‏}‏ حمزة وعلي ‏{‏أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً‏}‏ من غنيمة وظفر‏.‏

‏{‏بَلْ كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرسول والمؤمنون إلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلك فِى قُلُوبِكُمْ‏}‏ زينه الشيطان ‏{‏وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السوء‏}‏ من علو الكفر وظهور الفساد ‏{‏وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً‏}‏ جمع بائر كعائذ وعوز من بار الشيء هلك وفسد أي وكنتم قوماً فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم لا خير فيكم، أو هالكين عند الله مستحقين لسخطه وعقابه ‏{‏وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بالله وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا للكافرين‏}‏ أي لهم فأقيم الظاهر مقام الضمير للإيذان بأن من لم يجمع بين الإيمانين‏:‏ الإيمان بالله والإيمان برسوله، فهو كافر ونكّر ‏{‏سَعِيراً‏}‏ لأنها نار مخصوصة كما نكر ‏{‏نَاراً تلظى‏}‏ ‏[‏الليل‏:‏ 14‏]‏ ‏{‏وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض‏}‏ يدبره تدبير قادر حكيم ‏{‏يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ‏}‏ يغفر ويعذب بمشيئته وحكمته وحكمته المغفرة للمؤمنين والتعذيب للكافرين ‏{‏وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً‏}‏ سبقت رحمته غضبه‏.‏

‏{‏سَيَقُولُ المخلفون‏}‏ الذين تخلفوا عن الحديبية ‏{‏إِذَا انطلقتم إلى مَغَانِمَ‏}‏ إلى غنائم خيبر ‏{‏لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كلام الله‏}‏ ‏{‏كَلِمَ الله‏}‏‏:‏ حمزة وعلي أي يريدون أن يغيروا موعد الله لأهل الحديبية، وذلك أنه وعدهم أن يعوضهم من مغانم مكة مغانم خيبر إذا قفلوا موادعين لا يصيبون منهم شيئاً ‏{‏قُل لَّن تَتَّبِعُونَا‏}‏ إلى خيبر وهو إخبار من الله بعدم اتباعهم ولا يبدل القول لديه ‏{‏كَذَلِكُمْ قَالَ الله مِن قَبْلُ‏}‏ من قبل انصرافهم إلى المدينة إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية دون غيرهم ‏{‏فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا‏}‏ أي لم يأمركم الله به بل تحسدوننا أن نشارككم في الغنيمة ‏{‏بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ‏}‏ من كلام الله ‏{‏إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏ إلا شيئاً قليلاً يعني مجرد القول‏.‏ والفرق بين الإضرابين أن الأول رد أن يكون حكم الله أن لا يتّبعوهم وإثبات الحسد، والثاني إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين إلى وصفهم بما هو أطم منه وهو الجهل وقلة الفقه‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏16- 26‏]‏

‏{‏قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏16‏)‏ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏17‏)‏ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ‏(‏18‏)‏ وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ‏(‏19‏)‏ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ‏(‏20‏)‏ وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ‏(‏21‏)‏ وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا ‏(‏22‏)‏ سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ‏(‏23‏)‏ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ‏(‏24‏)‏ هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ‏(‏25‏)‏ إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ‏(‏26‏)‏‏}‏

‏{‏قُل لّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعراب‏}‏ هم الذين تخلفوا عن الحديبية ‏{‏سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ‏}‏ يعني بني حنيفة قوم مسيلمة وأهل الردة الذين حاربهم أبو بكر رضي الله عنه لأن مشركي العرب والمرتدين هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف‏.‏ وقيل‏:‏ هم فارس وقد دعاهم عمر رضي الله عنه ‏{‏تقاتلونهم أَوْ يُسْلِمُونَ‏}‏ أي يكون أحد الأمرين إما المقاتلة أو الإسلام‏.‏ ومعنى يسلمون على هذا التأويل ينقادون لأن فارس مجوس تقبل منهم الجزية، وفي الآية دلالة صحة خلافة الشيخين حيث وعدهم الثواب على طاعة الداعي عند دعوته بقوله ‏{‏فَإِن تُطِيعُواْ‏}‏ من دعاكم إلى قتاله ‏{‏يُؤْتِكُمُ الله أَجْراً حَسَناً‏}‏ فوجب أن يكون الداعي مفترض الطاعة ‏{‏وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ‏}‏ أي عن الحديبية ‏{‏يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً‏}‏ في الآخرة ‏{‏لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ‏}‏ نفي الحرج عن ذوي العاهات في التخلف عن الغزو ‏{‏وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ‏}‏ في الجهاد وغير ذلك ‏{‏يُدْخِلْهُ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار وَمَن يَتَوَلَّ‏}‏ يعرض عن الطاعة ‏{‏يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً‏}‏ ‏{‏ندخله‏}‏ و‏{‏نُعَذِّبُهُ‏}‏ مدني وشامي‏.‏

‏{‏لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة‏}‏ هي بيعة الرضوان سميت بهذه الآية‏.‏ وقصتها أن النبي صلى الله عليه وسلم حين نزل بالحديبية بعث خراش بن أمية الخزاعي رسولاً إلى مكة فهموا به فمنعه الأحابيش، فلما رجع دعا بعمر ليبعثه فقال‏:‏ إني أخافهم على نفسي لما عرف من عداوتي إياهم، فبعث عثمان بن عفان فخبرهم أنه لم يأت لحرب وإنما جاء زائراً للبيت فوقروه واحتبس عندهم فأرجف بأنهم قتلوه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا نبرح حتى نناجز القوم» ودعا الناس إلى البيعة فبايعوه على أن يناجزوا قريشاً ولا يفروا تحت الشجرة، وكانت سمرة وكان عدد المبايعين ألفاً وأربعمائة ‏{‏فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ‏}‏ من الإخلاص وصدق الضمائر فيما بايعوا عليه ‏{‏فَأنزَلَ السكينة عَلَيْهِمْ‏}‏ أي الطمأنينة والأمن بسبب الصلح على قلوبهم ‏{‏وأثابهم‏}‏ وجازاهم ‏{‏فَتْحاً قَرِيباً‏}‏ هو فتح خيبر غب انصرافهم من مكة ‏{‏وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا‏}‏ هي مغانم خيبر وكانت أرضاً ذات عقار وأموال فقسمها عليهم ‏{‏وَكَانَ الله عَزِيزاً‏}‏ منيعاً فلا يغالب ‏{‏حَكِيماً‏}‏ فيما يحكم فلا يعارض ‏{‏وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا‏}‏ هي ما أصابوه مع النبي صلى الله عليه وسلم وبعده إلى يوم القيامة ‏{‏فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه‏}‏ المغانم يعني مغانم خيبر ‏{‏وَكَفَّ أَيْدِىَ الناس عَنْكُمْ‏}‏ يعني أيدي أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان حين جاءوا لنصرتهم فقذف الله في قلوبهم الرعب فانصرفوا‏.‏

وقيل‏:‏ أيدي أهل مكة بالصلح ‏{‏وَلِتَكُونَ‏}‏ هذه الكفة ‏{‏ءَايَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ‏}‏ وعبرة يعرفون بها أنهم من الله عز وجل بمكان وأنه ضامن نصرتهم والفتح عليهم فعل ذلك ‏{‏وَيَهْدِيَكُمْ صراطا مُّسْتَقِيماً‏}‏ ويزيدكم بصيرة ويقيناً وثقة بفضل الله‏.‏

‏{‏وأخرى‏}‏ معطوفة على ‏{‏هذه‏}‏ أي فعجل لكم هذه المغانم و‏{‏مَغَانِمَ أخرى‏}‏ هي مغانم هوازن في غزوة حنين ‏{‏لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا‏}‏ لما كان فيها من الجولة ‏{‏قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا‏}‏ أي قدر عليها واستولى وأظهركم عليها، ويجوز في ‏{‏أخرى‏}‏ النصب بفعل مضمر يفسره ‏{‏قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا‏}‏ تقديره‏:‏ وقضى الله أخرى قد أحاط بها، وأما ‏{‏لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا‏}‏ فصفة ل ‏{‏أخرى‏}‏ والرفع على الابتداء لكونها موصوفة ب ‏{‏لَمْ تَقْدِرُواْ‏}‏، و‏{‏قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا‏}‏ خبر المبتدأ ‏{‏وَكَانَ الله على كُلِّ شَئ قَدِيراً‏}‏ قادراً ‏{‏وَلَوْ قاتلكم الذين كفَرُواْ‏}‏ من أهل مكة ولم يصالحوا أو من حلفاء أهل خيبر ‏{‏لَوَلَّوُاْ الأدبار‏}‏ لغلبوا وانهزموا ‏{‏ثُمَّ لاَ يَجِدُونَ وَلِيّاً‏}‏ يلي أمرهم ‏{‏وَلاَ نَصِيراً‏}‏ ينصرهم ‏{‏سُنَّةَ الله‏}‏ في موضع المصدر المؤكد أي سن الله غلبة أنبيائه سنة وهو قوله ‏{‏لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 21‏]‏ ‏{‏التى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً‏}‏ تغييراً‏.‏

‏{‏وَهُوَ الذى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ‏}‏ أي أيدي أهل مكة ‏{‏وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم‏}‏ عن أهل مكة يعني قضى بينهم وبينكم المكافة والمحاجزة بعدما خولكم الظفر عليهم والغلبة، وذلك يوم الفتح وبه استشهد أبو حنيفة رضي الله عنه على أن مكة فتحت عنوة لا صلحاً‏.‏ وقيل‏:‏ كان في غزوة الحديبية لما رُوي أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من هزمه وأدخله حيطان مكة‏.‏ وعن ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ أظهر المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت ‏{‏بِبَطْنِ مَكَّةَ‏}‏ أي بمكة أو بالحديبية لأن بعضها منسوب إلى الحرم ‏{‏مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ‏}‏ أي أقدركم وسلطكم ‏{‏وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً‏}‏ وبالياء‏:‏ أبو عمرو ‏{‏هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام والهدى‏}‏ هو ما يهدي إلى الكعبة‏.‏ ونصبه عطفاً على «كم» في ‏{‏صَدُّوكُمْ‏}‏ أي وصدوا الهدي ‏{‏مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ‏}‏ محبوساً أن يبلغ، و‏{‏مَعْكُوفاً‏}‏ حال‏.‏ وكان عليه السلام ساق سبعين بدنة ‏{‏مَحِلَّهُ‏}‏ مكانه الذي يحل فيه نحره أي يجب، وهذا دليل على أن المحصر محل هديه الحرم والمراد المعهود وهو منى ‏{‏وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مؤمنات‏}‏ بمكة ‏{‏لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ‏}‏ صفة للرجال والنساء جميعاً ‏{‏أَن تَطَئُوهُمْ‏}‏ بدل اشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في ‏{‏تَعْلَمُوهُمْ‏}‏ ‏{‏فَتُصِيبَكمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ‏}‏ إثم وشدة وهي مفعلة من عره بمعنى عراه إذا دهاه ما يكرهه ويشق عليه وهو الكفارة إذا قتله خطأ، وسوء قالة المشركين أنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا من غير تمييز والإثم إذا قصر‏.‏

‏{‏بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏ متعلق ب ‏{‏أَن تَطَئُوهُمْ‏}‏ يعني أن تطئوهم غير عالمين بهم‏.‏ والوطء عبارة عن الإيقاع والإبادة‏.‏ والمعنى أنه كان بمكة قوم من المسلمين مختلطون بالمشركين غير متميزين منهم فقيل‏:‏ ولولا كراهة أن تهلكوا ناساً مؤمنين بين ظهراني المشركين وأنتم غير عارفين بهم فيصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة لما كف أيديكم عنهم‏.‏ وقوله ‏{‏لِّيُدْخِلَ الله فِى رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ‏}‏ تعليل لما دلت عليه الآية وسيقت له من كف الأيدي عن أهل مكة والمنع عن قتلهم صوناً لمن بين أظهرهم من المؤمنين كأنه قال‏:‏ كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله في رحمته أي في توفيقه لزيادة الخير والطاعة مؤمنيهم، أو ليدخل في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم ‏{‏لَوْ تَزَيَّلُواْ‏}‏ لو تفرقوا وتميز المسلمون من الكافرين، وجواب «لولا» محذوف أغنى عنه جواب «لو»، ويجوز أن يكون لو تزيلوا كالتكرير ل ‏{‏لَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ‏}‏ لمرجعهما إلى معنى واحد، ويكون ‏{‏لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ‏}‏ هو الجواب تقديره ولولا أن تطئوا رجالاً مؤمنين ونساء مؤمنات ولو كانوا متميزين لعذبناهم بالسيف ‏{‏مِنْهُمْ‏}‏ من أهل مكة ‏{‏عَذَاباً أَلِيماً‏}‏‏.‏

والعامل في ‏{‏إِذْ جَعَلَ الذين كَفَرُواْ‏}‏ أي قريش لعذبنا أي لعذبناهم في ذلك الوقت أو اذكر ‏{‏فِى قُلُوبِهِمُ الحمية حَمِيَّةَ الجاهلية فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين‏}‏ المراد بحمية الذين كفروا وهي الأنفة وسكينة المؤمنين وهي الوقار ما يُروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بالحديبية بعث قريش سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزي ومكرز بن حفص على أن يعرضوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع من عامه ذلك على أن تخلي له قريش مكة من العام القابل ثلاثة أيام ففعل ذلك وكتبوا بينهم كتاباً‏.‏ فقال عليه السلام لعلي رضي الله عنه‏:‏ ‏"‏ اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ‏"‏ فقال سهيل وأصحابه‏:‏ ما نعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏"‏ اكتب هذا ما صالح عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة ‏"‏ فقالوا‏:‏ لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله أهل مكة‏.‏ فقال عليه السلام‏:‏ ‏"‏ اكتب ما يريدون فأنا أشهد أني رسول الله وأنا محمد بن عبد الله ‏"‏ فهمّ المسلمون أن يأبوا ذلك ويشمئزوا منه فأنزل الله على رسوله السكينة فتوقروا وحلموا ‏{‏وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى‏}‏ الجمهور على أنها كلمة الشهادة‏.‏ وقيل‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ والإضافة إلى التقوى باعتبار أنها سبب التقوى وأساسها‏.‏ وقيل‏:‏ كلمة أهل التقوى ‏{‏وَكَانُواْ‏}‏ أي المؤمنون ‏{‏أَحَقَّ بِهَا‏}‏ من غيرهم ‏{‏وَأَهْلَهَا‏}‏ بتأهيل الله إياهم ‏{‏وَكَانَ الله بِكُلِّ شَئ عَلِيماً‏}‏ فيجري الأمور على مصالحها‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏27- 29‏]‏

‏{‏لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ‏(‏27‏)‏ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ‏(‏28‏)‏ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ‏(‏29‏)‏‏}‏

‏{‏لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرءيا‏}‏ أي صدقه في رؤياه ولم يكذبه تعالى الله عن الكذب فحذف الجار وأوصل الفعل كقوله‏:‏ ‏{‏صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ‏}‏ ‏[‏الاحزاب‏:‏ 23‏]‏‏.‏ رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قبل خروجه إلى الحديبية كأنه وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين وقد حلفوا وقصروا، فقص الرؤيا على أصحابه ففرحوا وحسبوا أنهم داخلوها في عامهم وقالوا‏:‏ إن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم حق، فلما تأخر ذلك قال عبد الله بن أبيّ وغيره‏:‏ والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا رأينا المسجد الحرام فنزلت ‏{‏بالحق‏}‏ متعلق ب ‏{‏صَدَقَ‏}‏ أي صدقه فيما رأى وفي كونه وحصوله صدقاً ملتبساً بالحق أي بالحكمة البالغة وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز بين المؤمن الخالص وبين من في قلبه مرض، ويجوز أن يكون بالحق قسماً إما بالحق الذي هو نقيض الباطل أو بالحق الذي هو من أسمائه، وجوابه ‏{‏لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام‏}‏ وعلى الأول هو جواب قسم محذوف ‏{‏إِن شَآءَ الله‏}‏ حكاية من الله تعالى ما قال رسوله لأصحابه وقص عليهم، أو تعليم لعباده أن يقولوا في عداتهم مثل ذلك متأدبين بأدب الله ومقتدين بسنته ‏{‏ءَامِنِينَ‏}‏ حال والشرط معترض ‏{‏مُحَلِّقِينَ‏}‏ حال من الضمير في ‏{‏ءَامِنِينَ‏}‏ ‏{‏رُءُوسَكُمْ‏}‏ أي جميع شعورها ‏{‏وَمُقَصِّرِينَ‏}‏ بعض شعورها ‏{‏لاَ تخافون‏}‏ حال مؤكدة ‏{‏فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ‏}‏ من الحكمة في تأخير فتح مكة إلى العام القابل ‏{‏فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ‏}‏ أي من دون فتح مكة ‏{‏فَتْحاً قَرِيباً‏}‏ وهو فتح خيبر ليستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود‏.‏

‏{‏هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى‏}‏ بالتوحيد ‏{‏وَدِينِ الحق‏}‏ أي الإسلام ‏{‏لِيُظْهِرَهُ‏}‏ ليعليه ‏{‏عَلَى الدين كُلِّهِ‏}‏ على جنس الدين يريد الأديان المختلفة من أديان المشركين وأهل الكتاب، ولقد حقق ذلك سبحانه فإنك لا ترى ديناً قط إلا وللإسلام دونه العزة والغلبة‏.‏ وقيل‏:‏ هو عند نزول عيسى عليه السلام حين لا يبقى على وجه الأرض كافر‏.‏ وقيل‏:‏ هو إظهاره بالحجج والآيات ‏{‏وكفى بالله شَهِيداً‏}‏ على أن ما وعده كائن، وعن الحسن‏:‏ شهد على نفسه أنه سيظهر دينه والتقدير وكفاه الله شهيداً و‏{‏شَهِيداً‏}‏ تمييز أو حال ‏{‏مُحَمَّدٌ‏}‏ خبر مبتدأ أي هو محمد لتقدم قوله ‏{‏هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ‏}‏ أو مبتدأ خبره ‏{‏رَسُولِ الله‏}‏ وقف عليه نصير ‏{‏والذين مَعَهُ‏}‏ أي أصحابه مبتدأ والخبر ‏{‏أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار‏}‏ أو ‏{‏مُحَمَّدٌ‏}‏ مبتدأ و‏{‏رَسُول الله‏}‏ عطف بيان و‏{‏الذين مَعَهُ‏}‏ عطف على المبتدأ و‏{‏أَشِدَّاء‏}‏ خبر عن الجميع ومعناه غلاظ ‏{‏رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ‏}‏ متعاطفون وهو خبر ثانٍ وهما جمعاً شديد ورحيم ونحوه

‏{‏أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 54‏]‏ وبلغ من تشددهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه‏.‏

‏{‏تراهم رُكَّعاً‏}‏ راكعين ‏{‏سُجَّدًا‏}‏ ساجدين ‏{‏يَبْتَغُونَ‏}‏ حال كما أن ركعاً وسجداً كذلك ‏{‏فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْوَاناً سيماهم‏}‏ علامتهم ‏{‏فِى وُجُوهِهِمْ مّنْ أَثَرِ السجود‏}‏ أي من التأثير الذي يؤثره السجود‏.‏ وعن عطاء‏:‏ استنارت وجوههم من طول ما صلوا بالليل لقوله عليه السلام‏:‏ ‏"‏ من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار ‏"‏ ‏{‏ذلك‏}‏ أي المذكور ‏{‏مَثَلُهُمْ‏}‏ صفتهم ‏{‏فِي التوراة‏}‏ وعليه وقف ‏{‏وَمَثَلُهُمْ فِى الإنجيل‏}‏ مبتدأ خبره ‏{‏كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْئَهُ‏}‏ فراخه‏.‏ يقال‏:‏ أشطأ الزرع إذا فرخ ‏{‏فَأَزَرَهُ‏}‏ قواه، ‏{‏فَأزره‏}‏ شامي ‏{‏فاستغلظ‏}‏ فصار من الرقة إلى الغلظ ‏{‏فاستوى على سُوقِهِ‏}‏ فاستقام على قصبه جمع ساق ‏{‏يُعْجِبُ الزراع‏}‏ يتعجبون من قوته‏.‏ وقيل‏:‏ مكتوب في الإنجيل‏:‏ سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر‏.‏ وعن عكرمة‏:‏ أخرج شطأه بأبي بكر فآزره بعمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعلي رضوان الله عليهم‏.‏ وهذا مثل ضربه الله تعالى لبدء الإسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوي واستحكم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قام وحده ثم قواه الله تعالى بمن آمن معه كما يقوي الطاقة الأولى من الزرع ما يحتفّ بها مما يتولد منها حتى يعجب الزراع ‏{‏لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار‏}‏ تعليل لما دل عليه تشبيههم بالزرع من نمائهم وترقيهم في الزيادة والقوة‏.‏

ويجوز أن يعلل به ‏{‏وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً‏}‏ لأن الكفار إذا سمعوا بما أعد لهم في الآخرة مع ما يعزهم به في الدنيا غاظهم ذلك‏.‏ و«من» في ‏{‏مِنْهُمْ‏}‏ للبيان كما في قوله‏:‏ ‏{‏فاجتنبوا الرجس مِنَ الاوثان‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 30‏]‏ يعني فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، وقولك «أنفق من الدراهم» أي اجعل نفقتك هذا الجنس‏.‏ وهذه الآية ترد قول الروافض إنهم كفروا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إذ الوعد لهم بالمغفرة والأجر العظيم إنما يكون أن لو ثبتوا على ما كانوا عليه في حياته‏.‏